|
الدكتور عبد الخالق حسين ومعجزة القرن العشرين
Aug 22,2009 00:00
by
akh
عبد الستار نورعلي
والرجل من المعادين العنيدين للدكتاتورية والشوفينية القومية والتعصب الديني وبالضرورة فهو من ألد أعداء ومحاربي الارهاب الديني والسياسي الذي يفتك بالبشرية كلها دون تمييز وبما يملكه من سلاح الكلمة. ولذا أوقف قلمه على محاربة الارهاب في العراق بعد الاحتلال، وبالمناسبة هو من القائلين والمؤمنين بأن الغزو الأمريكي هو (تحرير) لا (احتلال). اضافة الى وقوفه ضد المحاصصة الطائفية والقومية التي صبغت سياسة الحكم بعد الغزو ولحد اليوم. كما أنه من المدافعين بصلابة عن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في حكم العراق مع استثناءات انتقادية هنا وهناك مما يعتبرها أخطاء آذت العراق والعراقيين. لكنه في المجمل يظهر مبرراً للكثير من سياسات امريكا وخطواتها فيما ترسمه لمستقبل العملية السياسية الجارية في العراق، وكذلك لسياستها في منطقة الشرق الأوسط تجاه ايران وسوريا وادعائها بالعمل على نشر الديمقراطية في المنطقة بدءاً من العراق. وأقرب مثال هي مقالته حول الاتصالات والحوارات الأمريكية مع قيادات بعثية عراقية في تركيا (حول لقاء الأمريكان بالمسلحين البعثيين) على مواقع الانترنيت بتاريخ 27 تموز 2009 ، وهي الاتصالات التي توجس ويتوجس الكثيرون في العراق أن تكون مقدمة لعودة البعث لحكم العراق وبقطار أمريكي جديد. فقد جهد الدكتور حسين على تبرير هذه الاتصالات قافزاً على المصالح الأمريكية الكامنة وراءها في التفكير والتخطيط لمدى انتفاع أمريكا من المسلحين البعثيين في خدمة استراتيجيتها في العراق والمنطقة عموماً. ونحن على ثقة أنها لو رأت أن مصلحتها تقتضي عودة البعث الى السلطة لعملت دون تلكؤ أو تردد وخططت لهذه العودة حتى في رداء الديمقراطية وقطارها المتعثر في العراق. يرى د. عبد الخالق حسين أن ماحدث في العراق تحرير لا احتلال آملاً بمستقبل ديمقراطي زاهر للعراق وعيش رغيد لشعبه كغيره من المتفائلين والمؤيدين لما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها، مستشهدين بتجربة كل من اليابان والمانيا متناسيين أن هناك فروقاً كبيرة بين البلدان والشعوب من خلال تاريخها وثقافاتها وانتماءاتها العرقية والدينية وتربيتها التاريخية وسيكولوجياتها ومواقعها الجغرافية وتجاربها الحياتية وارثها النفسي خلال العصور، فهي الحكم الفصل للمقارنة بينها وفي اسقاط تجربة شعب على شعب آخر. والفرق واضح وجلي وشاسع بين العراق وشعبه وهذين البلدين. في رأي الدكتور حسين أن مصالح الشعب العراقي التقت بمصالح الولايات المتحدة في التخلص من أشرس نظام دكتاتوري عرفته الشعوب. وهو ما يعطي المبرر له ولمن يذهب مذهبه في الدفاع عنها وعن سياساتها في العراق والدعوة الى تحالف استراتيجي معها يجلب الخير للعراق ضاربين أمثلة من الدول العربية وغيرها. لكن السؤال الملح الدائم الذي يفرض نفسه: ماهو الثمن الذي دفعه الشعب العراقي والمنطقة والعالم باسره في عملية (التحرير) هذه؟ وأظن أنّي لا أحتاج الى الاجابة بعد هذه السنين من الغزو فالثمن معروف كم كان باهضاً ومكلفاً، لا يزال الشعب العراقي يدفعه دون توقف من دمائه وثرواته وبناه التحتية. وأخيراً ظهر علينا د. عبد الخالق حسين على شاشة الفيحاء قبل أيام ليقول بأنّ ما حدث في العراق ، ويقصد اسقاط نظام صدام حسين، هو معجزة القرن العشرين! المعجزة هي عمل خارق فوق الطبيعة المألوفة لا يستطيع إتيانها بشر، وتلتصق عادة بالأنبياء والرسل، إذ أنّ لكل نبي ورسول معجزة عُرف بها. فهل أمريكا نبية ظهرت في هذا الزمان تحمل هموم الشعوب المقهورة المظلومة المحكومة بأنظمة لا تتزحزح تحتاج شعوبها الى معجزة أمريكية كي تحررها وتنقذها؟ وأمريكا هي التي كان لها اليد الطولى في وصولها الى سدة الحكم وتسلطها على رقاب شعوبها وبقائها معمِّرة، لتنكلَ بشعوبها، وتغرقهم في الفقر والجوع والمرض والتخلف والموت. أنظمة لا يزال بعضها في سدة الحكم باقية طالما أمريكا راضية عنها، لأنها تؤمِّن لها مصالحها وتخدم استراتيجياتها وتأتمر بأوامرها واملاءاتها؟ القول بأن ما قامت به معجزة يعني شيئين: مَنْ دعم النظام العراقي السابق في حربه مع ايران ثماني سنوات، وكان يمده بالمعلومات المخابراتية والتحركات العسكرية الايرانية ؟ كما أن المعارضة حينها كانت تجهد داخلياً وخارجياً من أجل الاطاحة بالنظام. وقد كانت تدعي وتجهر بأن النظام ضعيف وآيل للسقوط ولم يبق من عمره الكثير. وقد جاء الدليل على ذلك وهو سقوطه السريع أمام زحف قوى الاحتلال دون مقاومة تذكر أو حتى مواجهة تُحسب له وتسجّل في تاريخه. إذن استعجلت امريكا في اسقاطه قبل أن تقوم قوة أخرى عراقية باسقاطه، وذلك لمصلحتها حتى لا يتسلم الشعب العراقي زمام أمره في الضد من المصالح الأمريكية. ثانياًـ يعني هذا اظهار الولايات المتحدة بمظهر خالقة المعجزات في تحرير الشعوب من الظلم والجور والعمل على نشر الديمقراطية وحقوق الانسان بالقضاء على الدول الدكتاتورية والشمولية. فإن كانت بهذه القدرة الاعجازية الخيرية فلماذا لا تحرّر شعوباً أخرى ترزح تحت نير الاضطهاد والعبودية والقتل؟! ولماذا اسرعت في اقامة علاقات متينة مع ليبيا؟ ولماذا خفّفت الحصار عن سوريا وأخذ مسؤولوها الكبار يقومون بزيارات مكوكية اليها والالتقاء بقادتها؟ ولماذا توجهت للحوار مع ايران بدل رفع العصا الغليظة؟ ولماذا يتوجه مسؤولوها الى السودان أيضاً ويلتقون بمسؤوليها وقادة الحكم فيها؟ ولماذا تحاول اقامة جسور مع حزب الله وحماس، ومن خلال البوابة البريطانية والأوربية؟ وأسئلتي الأخيرة الى الدكتور الفاضل: كلنا نأمل خيراً في أن يصل العراق وشعبه الى بر الأمان حيث ينعم بالحرية الحقيقية والاستقلال التام والديمقراطية الأصيلة وامتلاكه لزمام امره لا أمر القوة العظمى المحتلة التي تخطط وتفرض رؤاها وسياساتها وفق استراتيجيتها ومصالحها. وأظن أن من حق الاستاذ الفاضل الدكتور عبد الخالق حسين كمحلل سياسي بارع أن يدلي برأية وتصوراته وتحليلاته وتوقعاته للسياسة الأمريكية وتحركاتها، فهذه مهمته وعمله الذي يجهد في أدائه بأجلى صورة ممكنة وأدقها. |