1/ كيف تنظرون للجولات المكوكية التي يقوم بها عدد من قادة الكتل الفائزة في الانتخابات العراقية الى دول الجوار العربي والإسلامي؟ وماذا تؤشر هذه الزيارات؟
- طبعاً من حق قادة الكتل القيام بهذه الزيارات إذ ليس هناك ما يمنع ذلك، ولكن في هذا الظرف بالذات، خاصة وأن تحصل هذه الزيارات قبل وإثناء وبعد الانتخابات التشريعية، وخلال السجال والصراع المحتدمَيْن على تشكيل الحكومة، وتعرض البلد إلى عمليات الإرهاب، كل ذلك يجعل من هذه الزيارات مؤشراً إلى أن القائمين بها يستجدون دعم حكومات دول الجوار بدلاً من مناشدة دعم الشعب العراقي الذي تحدى تهديدات الإرهابيين وانتخبهم. فالمفروض بهؤلاء القادة أن يكونوا قد بلغوا مرحلة متقدمة من النضج السياسي، ويرتفعوا إلى مستوى المسؤولية، وأن لا يخبوا أمل ناخبيهم، فالاستقواء بالحكومات الأجنبية له مردود معكوس، ودليل على ضعف وعدم الثقة بالنفس، وهذا شيء مؤسف ومؤلم.
2/ هل يمكن لحكام أي بلد أن يكسبوا الشرعية من خارج الحدود؟ وكيف ستنظر إليهم شعوبهم التي منحتهم أصواتها والحكام أهملوا ما قالته صناديق الاقتراع ويتباحثون مع حكام ربما لم تنتخبهم شعوبهم؟
- كلا، لا يمكن تحقيق الشرعية من خارج الحدود، وهذه مفارقة قاتلة ومضحكة، و(شر البلية ما يضحك) كما تقول الحكمة، أن تجد قادة سياسيين انتخبتهم جماهير شعبهم يستجدون الدعم من حكومات أجنبية لم تعرف الانتخابات، ولا تتمتع بشرعية طوال تاريخها، فهكذا سياسيون يسيؤون إلى شرعيتهم من خلال طلب الشرعية من جهات غير شرعية، خاصة إذا كانت هذه الجهات تحكم شعوبها من خلال حكم عشائري قبلي متخلف موروث من القرون الوسطى. وبالتأكيد ستنظر إليهم شعوبهم نظرة حزن وخيبة أمل.
3/ كيف يمكن لدول الجوار المنقسمة بين انتماءاتها المذهبية والقومية أن تقدم مشروعا يخدم بلدا كالعراق متنوع المذاهب والأطياف؟
- طبعاً لا يمكن لهذه الدول أن تقدم أية مساعدة لحل مشاكل العراق، ففاقد الشيء لا يعطيه، وأفضل خدمة يمكن لحكومات دول الجوار أن يقدموها للعراق هي أن يوقفوا تدخلهم بالشأن العراقي. إن الشعب العراقي هو شعب الحضارات، ونتيجة لموقعه الجغرافي وتاريخه الطويل العريق، عرف بشعب التنوع، ومهد الحضارة، ومهبط الأنبياء، كما وظهر فيه الفقهاء الذين أسسوا مختلف المذاهب الإسلامية والمدارس الفكرية، فكيف لأحفاد هؤلاء يستجدون الدعم والمشورة والنصيحة من حكومات حرَّمت شعوبها من أبسط حقوق الإنسان ولا تعترف بالتعددية، بل مازالت تضطهد المكونات المختلفة، الدينية والمذهبية والقومية في بلدانها ما لم تكن من مكونة الطبقة الحاكمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، طرد أمير قطر (قبيلة آل مرة) وهي من مكونات الشعب القطري العربي، لا لشيء إلا لأن الأمير غضب عليها في لحظة من لحظات الغضب!!. كذلك النظام السعودي يعامل الشيعة الذين يشكلون نحو 15% من شعب المملكة كمواطنين من الدرجة العاشرة بل وحتى دون مستوى الأجانب، فحتى شهادة الشيعي غير مقبولة في محاكمهم. وهناك دول خليجية نحو ثلث شعوبها محرومين من الجنسية يسمونهم الـ(بدون). فتصور كيف يمكن للقادة العراقيين الذين يقودون شعباً عرف بالتعددية القومية والدينية والمذهبية عبر آلاف السنين، كيف يمكن لهم الاستفادة من هؤلاء الحكام الذين يعاملون شعوبهم كطعان الماشية، ولذلك يسمونهم رعايا (من رعي الماشية) وليسوا مواطنين. لذلك ف نحن في العراق، وبعد كل هذه الكوارث، نطالب وبشدة معاملة جميع العراقيين كمواطنين من الدرجة الأولى، وعهد المواطنة من الدرجة الثانية قد ولىّ مع انهيار حكم البعث الفاشي وإلى الأبد. فالعراقيون هم أولى بتقديم النصح والمشورة إلى حكام ما وراء الحدود وليس العكس.
4/ في تصوركم، كيف يمكن لقادة العراق الجدد ان يشكلوا حكومة وطنية تحظى برضى واحترام الشعب، وتأييد دول الجوار في نفس الوقت؟
- إن تشكيل حكومة عراقية منتخبة من الشعب مسألة عراقية داخلية صرفة تهم الشعب العراقي وحده قبل أية جهة أخرى من خارج الحدود. وأن تأييد دول الجوار لأية حكومة لن يتحقق إلا من خلال رضى واحترام الشعب لها. أما آلية اختيار الحكومة فهي موجودة في الدستور العراقي الذي صوت عليه الشعب العراقي عام 2005، حيث ينص في المادة 70، رابعاً ، "يتولى رئيس الجمهورية دعوة مجلس النواب المنتخب للانعقاد خلال مدةٍ لا تتجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات". كما وينص في مادته 73 ما يلي:
((اولاً :ـ يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.
ثانياً :ـ يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف، تسمية أعضاء وزارته، خلال مدةٍ أقصاها ثلاثون يوماً من تاريخ التكليف.
ثالثاً :ـ يُكلف رئيس الجمهورية، مرشحاً جديداً لرئاسة مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً، عند إخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة، خلال المدة المنصوص عليها في البند "ثانياً" من هذه المادة.
رابعاً :ـ يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلف، أسماء أعضاء وزارته، والمنهاج الوزاري، على مجلس النواب، ويعد حائزاً ثقتها، عند الموافقة على الوزراء منفردين، والمنهاج الوزاري، بالأغلبية المطلقة.
خامساً :ـ يتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشحٍ آخر بتشكيل الوزارة، خلال خمسة عشر يوماً، في حالة عدم نيل الوزارة الثقة. ))
وهكذا أرى أن تفسير المحكمة الاتحادية لعبارة " مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً " صحيحاً من الناحية العملية، فعبارة "الأكثر عدداً" لا تعني الأغلبية المطلقة، أي أكثر من النصف +1، إذ المطلوب من زعيم الكتلة التي حازت الأكثر عدداً أن يكون قد رتب أموره في عقد تحالفات مع الكتل الأخرى بحث يكون عدد مقاعد هذا التحالف أكثر من 50% من العدد الكلي لأعضاء البرلمان. أما إذا فشل زعيم الكتلة "الأكثر عدداً" في تحقيق هذا التحالف مسبقاً، أي قبل انعقاد مجلس البرلمان، فمن المنطقي أن توجه الدعوة لزعيم الكتلة الذي نجح في عقد تحالف مع الكتل الأخرى، بحيث يكون عدد مقاعدها أكثر من 50%. ومن حق الكتلة الثانية أو الثالثة من حيث ترتيب المقاعد، أن تقوم بتحالفات مع الكتل الأخرى، إذ ليس في الدستور ما يمنع عقد هذه التحالفات.
ومن كل ما تقدم، لا أرى أي مبرر لهذه الضجة حول تشكيل الحكومة، فالآلية موجودة، وكلما يحتاجه قادة الكتل هو الرجوع إلى الدستور وتفسيره تفسيراً منطقياً والعمل بموجبه.
مع الشكر الجزيل
عبدالخالق حسين
إنكلترا
مقابلة أعدها الأستاذ خدر خلات مع الدكتور عبدالخالق حسين
نشرتها وكالة كردستان اكانيوز للانباء المستقلة يوم 13/4/2010